أحمد بن علي القلقشندي
459
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فليباشر ما ولَّيناه وأوليناه ، مباشرة تسفر عن حسن فطنته وذكائه ، وتضئ الآفاق بنور شهابها وسنائه ، وتظهر معروفها المعروف بعدم غيبته وخفائه ، معتمدا على اللَّه تعالى في إبدائه وإنهائه ، شارحا لكلّ قلب ألانه إحسانه بعد غلظته وجفائه ، مانحا من بحر جوده وعدله بالدّرّ لا بجفائه ، مكرما لمن بهذا المعقل : من أمرائه وأجناده وأغنيائه وفقرائه ، مقيما لمنار الشّرع الشريف الَّذي لا تستقيم الأمور إلَّا بمتابعته وإبدائه ، وليظهر من شجاعته وبسالته ما لا فائدة في خفائه ، وليشهر سيفه ، في وجه من أظهر حيفه ، وعدم خوفه ، من سطوة ربّه وكرمائه . وأعظم ما نوصيه به التّقوى ، فإنّه بملازمتها يقوى ، على دفع الشّرّ وفعل الخير وإسدائه ، والوصايا كثيرة وهو المجرّب بالعمل بها لمن يرغب في استيلائه ؛ واللَّه تعالى يحرق بشهاب عدله كلّ متمرّد . . . واعلم أنّه ربّما كتب توقيع نائب حصن الأكراد مفتتحا ب « أمّا بعد حمد اللَّه » . وهذه نسخة توقيع بنيابة حصن الأكراد ، كتب به باسم « شهاب الدين الجاكي » ب « الجناب العالي » ؛ وهي : أمّا بعد حمد اللَّه الَّذي جعل شهاب الدّين يتنقّل في مطالع سعده ، وجدّد أثواب النّعماء لمن قدمت هجرته وظهر خيره فأنجز له الإقبال صادق وعده ، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تبلَّغ قائلها إنالة قصده ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي أيّده اللَّه بنصر من عنده ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا من أنصاره وجنده ، صلاة دائمة يبلغ المؤمن بها غاية رشده ، وسلَّم تسليما كثيرا - فإنّ أولى من شمله إحسان هذه الدّولة الشريفة ونوّله مراده ، وأجزل عليه النّعم فكان أحقّ بها لحسن طويّته فأجراه اللَّه على أحسن عادة ، وبلَّغه غاية القصد ومعدن السعادة - من سلك مسالك الأمناء الثّقات ، واشتهرت عنه العفّة وحسن الصّفات ، فتعيّن تقديمه وتقريبه إلى أجلّ ولايات الفتوحات .